الحكيم الترمذي
151
غور الأمور
وهذا الهوى الذي هو أخذنا لما حرّمت . كان من حجته عليهم أن يقول : قد خلقت دارا فيها من النعيم ما يتلاشى هذا في جنبها ، ثم أرسلت خبر ذلك على ألسنة الرسل ليهيج من نفوسكم التي منها سكون رغبة وشوق إلى هذا الدار ، فإن كانت تلك حاضرة نظر أعينكم ، وهذه غايته إلى آخره فقد جعلت بينهما من التفاوت في البون ما لا يحصيه البشر علما ، فكيف لم يهتج من نفوسكم الشهوة إليها والرغبة فيها ، ولم تطف شهوتها تلك شهوتكم لهذه الدنيا ، ولم تتقد في أسماعكم إشاعة هذه الأخبار من الدارين على ألسنة الرسل ولم ينجع في قلوبكم . فإن لي عبادا حضروا هذا الجمع وهم معكم ، أنجع هذا الخبر في قلوبهم ، فرفضوا عامة دنياهم رغبة فيها رغبتهم فيه ، تصديقا لي لما أخبرتهم . حتى أسهروا ليلهم ، وظمأوا نهارهم ، فضلا عما أمرت ، وتركوا ما لم أنفهم عنه أيضا رغبة فيما عندي . وقد كان في تركيب أهوائكم وشهواتكم أنكم كنتم إذا تريا لكم شئ من عرض الدنيا وحطامها الفانية رفضتم ما بأيديكم طمعا في نوال الزيادة . فلوا أن أحدكم قيل له : أرفض هذا الدرهم الذي في يدك ، وخذ دينارا إلى سنة ، وكان ذلك الضمان من الصادق الملئ « 1 » الوفي التسارع إلى ذلك - وقال إنه ليهون على رفض درهم لمكان دينار أطعمني فيه فلان الملي الوفي ضمن لي ذلك ، وشهوة هذا الدينار غلب على شهوة الدرهم ، وعرفة منه شهوة الدرهم ، فهذه معاملتكم أيام دنياكم في كل شئ ، فما بالكم لم ترفضوا شهواتكم التي حرمت عليكم ، من أجل هذه الشهوات الباقيات التي بان تفاوتها أبعد من العرض إلى الثرى .
--> ( 1 ) الملئ : الثقة الغنى . . وتكتب بالهمز ، وبدونها مع تشديد الياء .